نصوص قصيرة

“أفكار من دولاب المطبخ”

_ كنت أحدث صديقة أتدارس معها أصول الفقه بأن الطبخ ميدان ممتاز لتطبيقات فقه الأولويات؛ أن تعرف كم من الوقت يلزم الرز على النار، والحرارة التي تناسب هذا النوع من المخبوزات، وما مقدار الملح المناسب لذاك، ومتى يجب أن تترك القدر لتنضج على نار هادئة، وتزن قوام الشوربة، وسكر الشاي، واستواء اللحم، فتقدم هذا وتأخر ذاك لتنتهي في الوقت المناسب تمامًا. وأقرت بما لا يدع مجالًا للشك أنه ميدان فقهي وأصولي وفلسفي.

_ أعددت في إحدى مساءات رمضان لقهوة ما بعد التروايح قالبًا من كيك الفانيليا ولحرصي الشديد على أن لا تفسد خطوط كريمة الشوكلاتة المتعرجة أثناء التقطيع، قسمته لنصفين، ثم مرَرَت على الأول السكين بأشد ما يكون الحذر ويكأني أقوم بعملية جراحية تستلزم كامل الانتباه، وكان أن فسدت على الرغم من ذلك، أما الجانب الآخر فتعجلت تقطيعه من غير قصد وكان أن بدا كما رجوت.. تداعت لمخيلتي صورة قطط إيمرنس- الخادمة العجوز في رواية الباب- وقد نُهشت بعد أول مواجهة مع العالم الخارجي، إذ لفرط حرص صاحبتهم عليهم أوصدت عليهم الأبواب فجهلوا مكامن الخطر وأساليب توقيه.

_ يقمن الأمهات بإعداد وصفات تهفو إليها القلوب ويسيل لها اللعاب، لا يعرف سرها ولا يقدر مقاديرها إلاّ هن، وتأتي كل مرة بذات الإتقان وبنفس الطعم المحبب المعهود، الملفت أن عمدتهن في ذلك (النظر) ولا شيء غيره وعلى قدر ما تحاول تعلم الوصفة وتجريبها إلاّ أنها لا تكون بنفس اللذة؛ وهكذا الحاذق في كل فن يصل مع المراس لدرجةٍ من استبطان القواعد حد أن يتطبع بها وتصير سجية يُصعب تعليمها، كما يعرف الصيرفي الماهر قطعة الفضة الرديئة من رنتها ووقعها على الأرض، وكما يفطن علماء الحديث المخضرمين لعلله الخفية.

_ لإضاءة المطبخ الخافتة سحر يحفز الثرثرة ويحث على الإفصاح، فما إن تفتح فاك حتى تندفع الكلمات يسابق بعضها بعضًا، وما إن تتنهد لخاتمة الكلام حتى تشعر بخفة من أزاح عبئًا تنوء به الكواهل، وللجلوس فيه بعد ساعة متأخرة من الليل ما للهبوب الباردة من الطمأنينة وما للذكرى من الشجن.

_ للنساء أحاجيهن الخاصة ومتعهن المتعالية؛ جلسة دافئة للخَبْز أو قطف الورقيات تدار معها النمائم والوشايات والأحلام وصروف الحياة، يمكنها أن تعدل راحة الاستجمام في أرقى المنتجعات.

_ يقال في المثل الدارج: ” بيننا عيش وملح ” للدلالة على عمق المودة وطول الوفاق، وهكذا تتجاوز ممارسات الطعام من تناول وإعداد وتقديم، معاني الإشباع وسد الجوع لتمتد لمعاني القرى والإكرام والمحبة والعناية والإيثار والذوق، ولتشكل روابط اجتماعية أكثر قوةً وحميمية أو حتى العكس! ولثقافات الشعوب وعاداتهم في تناول الطعام خير برهان، والحنين لخبز الأم وقهوتها كما صوّره درويش في منفاه لم يكن حنين جوع وإنما حنينٌ لمعنى.

قياسي
غير مصنف

عن إغماضة بول أوستر الأخيرة

“للرحيل سطوةٌ على الانتباه مثل الهدوء بعد مطرٍ غزير، وإلا كيف للراحلين أن يكونوا بهذا الحضور؟”

الأربعاء صباحًا، والغيوم المتكاثفة تحجب زرقة السماء والمطر يهطل مدرارًا، تسمرت هنيهة أمام خبر رحيل بول أوستر، ثم هرعت أنقل الخبر إلى الأصدقاء كمن يخبرهم عن فجيعة شخصية.

في الثامن من إبريل من عام 2009 كتب بول أوستر مراسلاً صديقه جون: “شهور وأنا أعيش حالة من الكآبة والحزن. في موسم موت وجنازات ومراسم وخطابات عزاء، وحتى حين تعلن العناوين انهيار عالمنا المهلل المعيب، فإن هذه الخسائر الشخصية تؤثر في تأثيرًا أعمق من اضطرابات العالم الأكبر المضطرم، أقول لنفسي أني رأيت ما يحصنني من الاندهاش، وأن هذا هو العالم، وأننا جميعًا كائنات فانية، وأن نهايتنا قد تأتي في أي وقت، وليس في اتساع الرؤية أتفه نتفه من العزاء. ويتوجع القلب وذلك ببساطة داء لا دواء له.”

وهاقد أصبح رحيله خسارة تضاف لقائمة خسائر العالم، وداعٍ من دواعي التوجع.

لم يعش حياة مثاليةً أبدًا بل قل إن شئت: كانت حياته سلسلة من الفجائع المستمرة؛ طفولة ناقصة، ومراهقة عنيدة، وشباب جامح، وشيخوخة مثقلة بالمرض.

ما عمق مأساته أنه كان غير مرئيًا تمامًا عند والده-وهذا ما سيتردد صداه كثيمة حاضرة في أعماله- حاول مرارًا وبإصرار أن يبصره لكن بلا جدوى، فلم يؤمن أبدًا بشخصه ولا بأهمية موهبته في الكتابة، مع ذلك استمر بإرسال نسخ من مقالاته ومجموعاته الشعرية له، كما واضب على إهداء والدته كتبه فور صدورها، حيث تقوم بكامل الاعتزاز بوضعها في منزلها على مرمى بصر الآخرين كتحف أثيرة تباهي بها رغم أن القراءة لم تكن تستهويها، أما والده فكان يهاتفه ليشكره على الإهداء فقط.

وعلى الرغم من أن والدته أولته كامل حبها إلا أن جزءًا منه بقي يتعطش لانتباه والده، فعلى حد قوله: “لا يكف المرء عن الجوع لحب أبيه حتى بعد أن يكبر“.

يا لقسوة أن يتعامى عنك أقرب الناس إليك؛ هذه غصة لا تزول وإن هتف باسمك العالم كله.

عانى من زواج والديه الفاشل، ولم يكن زواجه الأول أفضل حالاً منهما، إذ انتهى بعد سنوات يسيرة، سالمته أيامه لاحقًا وحظي بزيجة ثانية تكللت بالدوام والهناءة. عاش على الكفاف في معظم مراحل حياته، ولازمته حالة من الضياع والتخبط في الاتجاهات مجازًا وحقيقة، متنقلاً من مدينة لأخرى ومن منزل لآخر، كل مدينة زارها وكل منزل نزل فيه شكل مرحلةً فارقة في تكوينه، صراعه الهوياتي أحد أوجه ضياعه، فهو لا يعلم منتهى جذوره ولا مبدأ أصوله وعاجز عن تحديد عرقه بالضبط، مما جعله يقتنع أخيرًا أنه نتاج هجرات جماعية قديمة ويتسع ليحمل هويات متعددة، وعلى الرغم من من أنه موغل ومنغمس في أمريكيته إلا أن جزءه اليهودي يطفو على السطح جليًا.

أتى على ذكر إدوارد سعيد أكثر من مرة في معرض كتاباته الشخصية، إذ كان مشرفًا على رسالته في الماجستير وتأثر به، وبقيا على تواصل ودود لحين رحيل إدوارد هو الآخر .. يصنفه النقاد بأنه كاتب ما بعد حداثي وبغض النظر عن تصنيف أعماله وتحليلها إلا أني لا أملك كقارئ عادي يحاول الهروب من فخ التأويل إلاّ التعبير عن إعجابي بما يخطه قلمه، وانبهاري بإحكام تعبيراته، وأساليبه المبتكرة، وبراعة لغته السردية، وقوله للكثير بخفة ودقة بالغة.

يثير استغرابي أنه يكتب عن نفسه بشفافية عالية، شفافية تشعرك أحيانًا أنه يعامل الكتابة معاملة طقس الاعتراف والتطهر في الديانة المسيحية، مما أثار حنق عائلته ونقمتهم عليه باستمرار، إذ اعتبروا سلوكه هذا سلوكًا مسيئًا للسمعة، فاضحًا، وموغلاً في الأنانية، وأتساءل عن مدى أخلاقية أن يجعل الكاتب أسرار عائلته مادةً للكتابة، معرضًا إياهم للخزي على الملأ .

على أية حال .. لم تكن الكتابة عنده طقسًا يقبل المساومة بل كانت ضرورة هامة، فلم يكن يهتم بالمكان الذي سيعيش فيه مادام يهيئ له الظروف المناسبة لها، ولا بالانتقادات مادامت خالية من المعنى، ولا حتى بمحاولات والده لثنيه عنها وإيجاد عمل محترم يتكسب منه؛ ونحن ممتنون إذ لم يلتفت للعوائق ولم يلق بالاً لكل هذا وترك لنا إرثًا من العذوبة مساهمًا في جعل العالم مكانًا أفضل كما تمنى.

كان بول أوستر مؤمنًا إيمانًا تامًا أننا نعيش في عيون الآخرين، ولئن رحل الآن فليس عندي أدنى شك أنه سيبقى حيًا في عيون قرّائه، ولست أبالغ إن قلت أن وفاة الكُتاب الذين قرأت لهم وأحببتهم تحدث فيّ نفس أثر مفارقة صديق عزيز، حتى أنني لأتخيل إحدى قريباته من جهة والده تتصل على زوجته لتتشفى برحيله كما فعلت معه سابقاً في حادثة وفاة مشابهة.

في حكاية شتاء- سيرته التي رواها عن نفسه بصيغ وضمائر المخاطب قبل رحيله بسنوات قلائل- تمنى أن يموت محبوبًا ..

” دوّن جوبرييت:” يجب أن يموت المرء وهو محبوب (إذا استطاع) تؤثر فيك هذه الكلمة، تحركك، لا سيما الجملة الواقعة بين هلالين، تشعر أنها تكشف عن روح تتسم بوعي نادر وإدراك توصل إليه دون لا يستطيع أي إنسان بلوغه، يفيد بأنه ليس من السهولة أن تكون محبوبُا وخصوصًا بالنسبة إلى شخص كبير يرزح تحت وطأة العجز والوهن بسبب الشيخوخة ويستلزم عناية الآخرين واهتمامهم، ربما أعظم إنجاز يقوم به الانسان هو أن يستحق الحب لا أن يستعطيه في النهاية. ليس بمقدورك التنبؤ بما سيحدث عندما يحين اليوم الذي تزحف فيه إلى الفراش لآخر مرة، لكن اذا لم تؤخذ على حين غرة كما حدث لوالديك فأنت ترغب في أن تستحق الحب، هذا إن استطعت”

بعد ثلاثة أيام من رحيله نعته زوجته بملء الأسى، قائلةً أنه لم يغادر أرض السرطان .. وأكدت أنه توفي في منزله، وبين كتبه، وبجانب عائلته ..

ها أمنتيه تتحقق؛ أن يموت مستحقًا للحب، بالقرب ممن أحب.

قياسي
غير مصنف

العيش في أفق المجاز

وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ
[
مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ]

محمود درويش

ألقيت التحية وسألته عن أحد العناوين بينما هو منهمك في العمل على مكتبه، وبدون أن يرفع رأسه أو تتوقف أصابعه عن النقر على لوحة المفاتيح حتى، قال بطريقة آلية: “ممر رقم 7 الرف رقم 12”

بعد هنيهة أرخى نظارته وانتبه لأني لا أزال واقفةً في مكاني أقلب صفحات كتابٍ آخر، وبشيء من المسؤولية تقدمني بظهر أحدب يشي بطول مكثه أمام تلكم الشاشة ليدلني، وبخطىً ثابته تنبئ عن معرفة راح يبحث عن الكتاب المنشود.

جال ببصره بين العناوين ومرر خنصره على الكتب يعلو بعضها بعضًا ثم نفض يديه، وقال بذات الطريقة الآلية أيضًا: “بقيت منه نسخة أخيره ابحثي عنها وإن لم تجديها فقد سبقك إليها أحد” وأدار ظهره ناحية مكتبه ..

ذكرتني آليته باندفاع الصبا يبدده مرور العمر، وبسذاجة الآمال يكسرها ثقل الواقع، وبوهج الحماسة يطفئه الملل، وحين نفض يديه الخاليتين خطر لي أن هذا السلوك دلالة على اللا جدوى، وعلمت مباشرةً أني لم أجد غايتي، فالرفوف لم تكن مغبرّة لذلك الحد، ومذ عرف الإنسان نفسه وهو مولع بالرمز والترميز ولعه بالخلود؛ أسبغ على الألوان معانٍ ومفاهيم، ابتكر الإشارة باليد للتحايا والوداع، طوّع المجازات لمقاصده المكنونة، وأوّل النظرة فتلك للوله وهاته للخوف وأخرى للإعراض والصدود، وارتأى نفض اليدين للإياس من الشيء والفراغ منه والتخلي عنه.

مذ عرف الإنسان نفسه ولديه مجازاته المتعالية ولغته الخاصة، تلك المسميات التي نطلقها على الأحداث والأشياء، وتلك الكلمات التي يتواطئ عليها الرفاق مثل شفرة سرية ينفذون بها لأرواح بعضهم وتثير بينهم أحيانًا موجة ضحك هستيرية، أو تلك المعاني المتعلقة بارتباطات معينة يفكون طلاسمها وحدهم ويفهمون مغزاها دونًا عن غيرهم، وإن كان الناس كلهم يشتركون بها إلا أنهم صنعوا لها ذاكرة خاصةً وسياقًا مميزًا.

في رواية أربطة للإيطالي “دومينكو ستارنونه” كانت طريقة ربط الحذاء المميزة التي تعلمها الابن من والده بالمحاكاة، سببًا في إذابة الجليد ومد الصلات بعد سنوات من الهجر والجفاء.

ويمثل لنا جورج أوريل في استعارة الأخ الأكبر صورة الأنظمة الشمولية والطغاة؛ لطالما كانت الآداب ميدان المجاز الفسيح.

من هذا الباب دائمًا ما تتراءى لي الحياة على أنها صورة رمزية كبيرة يتفاوت إدراك إشاراتها؛ ولكل منا حظه من التأمل في اللوحة، ونصيبه في التقاط معانيها، وذكاءه في فهم الدلالة، ونوره في الاستهداء للقصد.

قياسي
غير مصنف

هبة الأدب

الأدب هو ذلك المكان حيث ينهمر المطر

-خوان بيّورو

بينما كنت مستغرقة بالنظر في الباحة الخارجية وقعت عيني على طفلين عليهما سحنة آسيوية يلهوان بطائرتهما الورقية، اتسعت عيناي من الدهشة لشدة تشابه الصورة بمشهد من فصول رواية عداء الطائرة الورقية لخالد حسيني والتمعت في ذهني صور حسن وأمير وبقية الأطفال ..

وكما همس صوت حسن في رأس أمير بجملة” من أجلك ألف مرة ومرة ” حين رأى ذات المشهد بعد مرور زمن طويل، همس في رأسي أيضًا ورحت أتأملهم وأستدعي تفاصيلها رغم أني قرأتها منذ سنوات إلّا أنه كان يكفي مشهد واحد اعتيادي مضمن بالرواية لينفض عنها غبار النسيان ولتتداعى على الذاكرة مجددًا، الحقيقة أني تعجبني البراعة السردية القادرة على تحويل المعيش اليومي لحالة من الدهشة المستمرة، هذه المعجزة اللغوية القادرة على صبغ مشاهد من الحياة بألوان الطيف ومد فصول الرواية ونسج حكاية من العادي العابر واستلهام الخيال، تنطوي على روح تستطيع الاحساس بالأشياء والتقاط دقائق المعاني، وعلى عين تنظر لأبعد من الحدث البسيط، وتنم عن نفس مرهفة وعقل يحسن تطويع اللغة ليصنع منها تحفة فنية، لا شك أن ثمة فرق بين من يصف لك الحدث مجردًا وبين من يضفي عليه صورًا بلاغية وألوانًا من المعنى فيصير متجسدًا أمامك، وبين من يكتب عن تعنت مديره بالعمل فيكاد حنقه يبتلعك ومن تخرج كلماته باردة لا تبلغ المقصود، ومن يصف الطبيعية فتسمع شدو الطيور وتشم أنفاس الربيع وذاك الذي يصفها باهتةً خلوًا من اللون والنغم.

تنقل آذر نفيسي عن ناباكوف قوله: ” نشهد بالتجربة الحية كيف يمكن لحصاة عادية في حياتنا اليومية أن تستحيل جوهرةً ساطعة إذا ما نظرنا إليها عبر العين السحرية للأدب”

لأجل هذا لطالما قلت أن الأدب الروائي والقصة القصيرة ينمان عن ذكاء كامن، في الأول تحاول الحفاظ على خط الدهشة ممتدًا ومستمرًا كوابل من المطر، وفي الثاني تكثفه ليندلق دفعة واحدةً.

مما يعجبني في الآداب أيضًا تلك القدرة على لمس الهواجس التي تسكننا واختيار الكلمات التي تأتي على مقاس شعورنا، وحسن الإبانة عن ما يجول في خواطرنا ولا نجد له بيانًا؛ لهذا السبب أحببت كريستيان بوبان والتهمت ثلاثة من أعماله واحدًا تلو الآخر، فحين كنت أحاول توصيف حالي لصديقتي حول أمر ما وعجزت عن الوصول للتعبير المناسب، قرأت له وصادفت تعبيرًا مفصلاً على مقاسي تمامًا، جنبًا إلى جنب مع ذكاءه في توظيف الاستعارات وانسياب لغته كان بارعًا في اقتناص المعاني ودوزنتها لتتحول لإيقاعات موسيقية، يقول : “لا توجد متعة أكبر من أن نجد شخصًا يرى العالم كما نراه، هكذا نعرف أننا لم نكن مجانين.”

وأظن أن الآداب بعمومها تمنحنا هذه التربيتة الهانئة الحانية وتكنفنا بطمأنينة الفهم والتوافق.

كما أني يلفتني امتداد الآداب في حيواتنا وتجليها على صفحات أيامنا؛ حين تقع عينك على اقتباس رائع مثلاً فتود أن يقرأه الجميع وتقرر مشاركته، أو عندما تقرأ كتابًا أو عملاً بديعًا فتود لفرط روعته أن تضعه في الأرفف، وفي محطات الانتظار ومساحات العمل، وأن تدسه بجيوب المارة، وتتمنى لأجله لو كنت وزير التعليم في بلدك لتضمنه في المناهج، تنساه عمدًا في المقهى ليحظى أحد برفقته، وترسله للأصدقاء البعيدين، وتقود لأجله حملات تبشيرية ليعرفه العالم أجمع، وتكتنفك الحسرة لأن لا أحد يعرفه بالقدر الكافي، وتمني نفسك بتعلم اللغة التي ترجم عنها الكتاب كي تقرأ الجمال أصيلًا كما هو.

من تجليات الأدب أيضًا اتصاله بالوقائع وتجدده؛ أعجوبة لا تبلى بكر الأيام ولا مر الليالي .. فلا زال المستوحش يأنس به، والواحد منا يشحذ همته بأشعار الحماسة، والمحزون يتداوى بالتغني بالقصائد وترنيمها، والمنتشي يطرب للبديع، والفاقد يجد شيئًا من السلوان بالمراثي، والمحب يردد شعر ابن أبي ربيعة ومجنون ليلى وكثير عزة.

بهذه الطريقة أستعير فكرة كارل بوبر لأقول أن الأدب يمكن أن يعرف بأنه:

” إضفاء السحر على العالم“

قياسي
غير مصنف

الملك المخلوع

في ليلة عيد الفطر المنصرم من هذه السنة خلعت ضرس العقل فأمسيت أئن والناس تغني” يا ليلة العيد آنستينا وجددت الفرح فينا” وبت أداري وجعه والناس يراعون طقوس أفراحهم، وجفاني النوم اضطرارًا بينما الخلق سهارى باختيارهم يرقبون طلوع فجر العيد …

أصبحت وقد صرت متمرسة في وضع القطنة مكان الأخرى كل ساعة لإيقاف النزيف، حسب تعليمات الطبيب ..

آه الطبيب .. بعدما زالت السكرة وأتت الفكرة تذكرت استغرابه تغيير موعد الجلسة لليلة العيد؛ مرارًا حاول ثنيي، يتساءل تارة تساؤل المستنكر ويعود فينصح نصح المشفق تارة، حتى رأى عزمي-مجبرًا أخاك لا بطل-فأعد مبضعه ومشارطه .

وجاء العيد.. تهندمت متثاقلة …

يتعانق الناس بحرارة وأحاول جهدي أن أتفاداهم، يهمون بالقبلات فأشيح برأسي قدر المستطاع، يومها كرهت السلام والتقبيل، وتمنيت لو حملت على رأسي لافتة كتب عليها بالخط العريض: ” خلعت ضرس العقل حديثًا، الرجاء الانتباه” إذ كان من الصعوبة بمكان إخبار الجميع بالمصاب أو إخفاءه، فانتفاخ خدي وجمود ملامحي يشيان بي، في البداية كنت أروي القصة لكل من يسألني حتى خلتني حكواتيًا يتخذ متكأه ليروي ويمتع ويطرب ويشنف المسامع، أو شهرزاد تنسج حكاية من حكايا ألف ليلة وليلة.

أعدتها مرة ومرتين وثلاثة، ثم خفتت حماستي تجاه الرد وتوقفت عن التوضيح وبسط الأسباب وباتت عيني على الباب ترقب كل آت حتى أحتال لتفادي الملامسة، يومها فهمت معنى أن يعاقب السامري باللا مساس.

لم يكن الوضع محتملاً إلاّ بسخرية الرفاق، لا تكف السخرية عن أن تكون بلسمًا ولا تنفك عن تأثيرها السحري في تخفيف الآلام وجعل الهم العظيم رمادًا تذروه الرياح، يتلاشى بضحكة، ويتبدد بالمدى بينما تعلو القهقهات، ويهوّن بالتهكم فيهون ..

صبيحة هذا اليوم باغتني أحد أسناني بألم ينخر في الرأس، يبدو لي أنه قرر أن يأخذ بثأر أخيه المخلوع.

قياسي
غير مصنف

يناير .. عن رياح التغيير حين تهب

“أظنُّ بأنّي منحتُ النهايةَ ما لم أوافق على منحهِ وأنّي مشيتُ كما فاتحٍ لا تنوبُ المجازاتُ عن فتحهِ

مشيتُ اضطرارًا لأنّ اليقينَ إذا جادَ عاد إلى شُحّهِ كمن يتسلّقُ طَودَ الوجودِ وقد عاش يهربُ من سفحهِ”

-خلود

يركن الإنسان إلى ما ألفه عادةً ويميل لاعتناق رأي من قبيل أن الطريق الذي يعرف مداخله ومخارجه ويبرع في توقي عثراته أسلم من الذي لم يعبره قط وإن كان خاليًا ومختصرًا وسهلًا ومذللًا، ويفضل التعامل مع الأشياء التي خبرها وجربها بدلًا من خوض غمار المجهول؛ فالأولى تهبه طمأنينة المعرفة أما الثانية فمحفوفة بالشك. من بين جملة من الأسباب يفسر هذا ممانعة التغيير أحيانًا، ويعلل ما يتطلبه الأمر من شجاعة وصبر ومرونة..

عامي المنصرم كان سلسلة طويلة من محاولات التأقلم وابتكار طرق جديدة للعيش، ولئن كنت منفتحة على التجربة فقد عانيت مغارم فراق الإلف.

في البداية كنت كمن وجد نفسه في قلب العاصفة، وحين تهب العواصف يسعى الجميع للنجاة وحين تنتهي يبدؤون بحساب الخسائر، أما إذا طالت فيتلاشى الهلع وتبتكر أساليب وطرق للمواجهة، وهذا ما كان في آخر المطاف.

شيئًا فشيئًا بدأت أتلمس طريقي في الظلمة، ومع كل مرحلة تنفتح مغاليقها كنت أثبت برغيًا في جدار الروتين وأوطن نفسي على عادات جديدة، ولست أدري لمَ يمعن الناس في ذم الاعتياد!، فالحذق في شأن من شؤون الحياة حصيلة تجريب واعتياد وممارسة، وكذا السكينة لا تكون مع الضياع بل الألفة من موجباتها، والأيام الرتيبة الخالية من المنعطفات الإجبارية أسكن للنفس وأهنأ للخاطر وأدعى لإقامة الأمور وإتمام المهام على وجهها.

في آخر ليلة من ديسمبر سح المطر متواصلاً وأطفأ شمعة العام، وعلى مشارف السنة الجديدة وقفت وقد تمثلت ما قالته سيلفيا باث : “بدلاً من أن أتمنى بشكل محموم، كما كنت أفعل في السابق، أن أكون بارعة ومبدعة وناجحة في آن واحد، لدي الآن أسلوب أكثر ثباتاً وعملية يعترف بالقيود المختلفة ويعمل يوماً بيوم للتغلب عليها ببطء ودون توقع الكمال الفوري”

على مشارفه وقفت أجسر على المحاولة، أقدر على التخلي، أكثر تقديرًا للفرح، وأمنع تجاه الحزن، وفكرت كم هذبني اليأس وأغواني الأمل، على مشارفه وقفت وقد أصبحت أكثر إيمانًا أن الخواتيم ما كانت إلا فواتح للبدايات، وأن النعم قد تجيء مخبوءة في طيات المكاره.

قياسي