وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ
[ مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ]
محمود درويش
ألقيت التحية وسألته عن أحد العناوين بينما هو منهمك في العمل على مكتبه، وبدون أن يرفع رأسه أو تتوقف أصابعه عن النقر على لوحة المفاتيح حتى، قال بطريقة آلية: “ممر رقم 7 الرف رقم 12”
بعد هنيهة أرخى نظارته وانتبه لأني لا أزال واقفةً في مكاني أقلب صفحات كتابٍ آخر، وبشيء من المسؤولية تقدمني بظهر أحدب يشي بطول مكثه أمام تلكم الشاشة ليدلني، وبخطىً ثابته تنبئ عن معرفة راح يبحث عن الكتاب المنشود.
جال ببصره بين العناوين ومرر خنصره على الكتب يعلو بعضها بعضًا ثم نفض يديه، وقال بذات الطريقة الآلية أيضًا: “بقيت منه نسخة أخيره ابحثي عنها وإن لم تجديها فقد سبقك إليها أحد” وأدار ظهره ناحية مكتبه ..
ذكرتني آليته باندفاع الصبا يبدده مرور العمر، وبسذاجة الآمال يكسرها ثقل الواقع، وبوهج الحماسة يطفئه الملل، وحين نفض يديه الخاليتين خطر لي أن هذا السلوك دلالة على اللا جدوى، وعلمت مباشرةً أني لم أجد غايتي، فالرفوف لم تكن مغبرّة لذلك الحد، ومذ عرف الإنسان نفسه وهو مولع بالرمز والترميز ولعه بالخلود؛ أسبغ على الألوان معانٍ ومفاهيم، ابتكر الإشارة باليد للتحايا والوداع، طوّع المجازات لمقاصده المكنونة، وأوّل النظرة فتلك للوله وهاته للخوف وأخرى للإعراض والصدود، وارتأى نفض اليدين للإياس من الشيء والفراغ منه والتخلي عنه.
مذ عرف الإنسان نفسه ولديه مجازاته المتعالية ولغته الخاصة، تلك المسميات التي نطلقها على الأحداث والأشياء، وتلك الكلمات التي يتواطئ عليها الرفاق مثل شفرة سرية ينفذون بها لأرواح بعضهم وتثير بينهم أحيانًا موجة ضحك هستيرية، أو تلك المعاني المتعلقة بارتباطات معينة يفكون طلاسمها وحدهم ويفهمون مغزاها دونًا عن غيرهم، وإن كان الناس كلهم يشتركون بها إلا أنهم صنعوا لها ذاكرة خاصةً وسياقًا مميزًا.
في رواية أربطة للإيطالي “دومينكو ستارنونه” كانت طريقة ربط الحذاء المميزة التي تعلمها الابن من والده بالمحاكاة، سببًا في إذابة الجليد ومد الصلات بعد سنوات من الهجر والجفاء.
ويمثل لنا جورج أوريل في استعارة الأخ الأكبر صورة الأنظمة الشمولية والطغاة؛ لطالما كانت الآداب ميدان المجاز الفسيح.
من هذا الباب دائمًا ما تتراءى لي الحياة على أنها صورة رمزية كبيرة يتفاوت إدراك إشاراتها؛ ولكل منا حظه من التأمل في اللوحة، ونصيبه في التقاط معانيها، وذكاءه في فهم الدلالة، ونوره في الاستهداء للقصد.