
“للرحيل سطوةٌ على الانتباه مثل الهدوء بعد مطرٍ غزير، وإلا كيف للراحلين أن يكونوا بهذا الحضور؟”
الأربعاء صباحًا، والغيوم المتكاثفة تحجب زرقة السماء والمطر يهطل مدرارًا، تسمرت هنيهة أمام خبر رحيل بول أوستر، ثم هرعت أنقل الخبر إلى الأصدقاء كمن يخبرهم عن فجيعة شخصية.
في الثامن من إبريل من عام 2009 كتب بول أوستر مراسلاً صديقه جون: “شهور وأنا أعيش حالة من الكآبة والحزن. في موسم موت وجنازات ومراسم وخطابات عزاء، وحتى حين تعلن العناوين انهيار عالمنا المهلل المعيب، فإن هذه الخسائر الشخصية تؤثر في تأثيرًا أعمق من اضطرابات العالم الأكبر المضطرم، أقول لنفسي أني رأيت ما يحصنني من الاندهاش، وأن هذا هو العالم، وأننا جميعًا كائنات فانية، وأن نهايتنا قد تأتي في أي وقت، وليس في اتساع الرؤية أتفه نتفه من العزاء. ويتوجع القلب وذلك ببساطة داء لا دواء له.”
وهاقد أصبح رحيله خسارة تضاف لقائمة خسائر العالم، وداعٍ من دواعي التوجع.
لم يعش حياة مثاليةً أبدًا بل قل إن شئت: كانت حياته سلسلة من الفجائع المستمرة؛ طفولة ناقصة، ومراهقة عنيدة، وشباب جامح، وشيخوخة مثقلة بالمرض.
ما عمق مأساته أنه كان غير مرئيًا تمامًا عند والده-وهذا ما سيتردد صداه كثيمة حاضرة في أعماله- حاول مرارًا وبإصرار أن يبصره لكن بلا جدوى، فلم يؤمن أبدًا بشخصه ولا بأهمية موهبته في الكتابة، مع ذلك استمر بإرسال نسخ من مقالاته ومجموعاته الشعرية له، كما واضب على إهداء والدته كتبه فور صدورها، حيث تقوم بكامل الاعتزاز بوضعها في منزلها على مرمى بصر الآخرين كتحف أثيرة تباهي بها رغم أن القراءة لم تكن تستهويها، أما والده فكان يهاتفه ليشكره على الإهداء فقط.
وعلى الرغم من أن والدته أولته كامل حبها إلا أن جزءًا منه بقي يتعطش لانتباه والده، فعلى حد قوله: “لا يكف المرء عن الجوع لحب أبيه حتى بعد أن يكبر“.
يا لقسوة أن يتعامى عنك أقرب الناس إليك؛ هذه غصة لا تزول وإن هتف باسمك العالم كله.
عانى من زواج والديه الفاشل، ولم يكن زواجه الأول أفضل حالاً منهما، إذ انتهى بعد سنوات يسيرة، سالمته أيامه لاحقًا وحظي بزيجة ثانية تكللت بالدوام والهناءة. عاش على الكفاف في معظم مراحل حياته، ولازمته حالة من الضياع والتخبط في الاتجاهات مجازًا وحقيقة، متنقلاً من مدينة لأخرى ومن منزل لآخر، كل مدينة زارها وكل منزل نزل فيه شكل مرحلةً فارقة في تكوينه، صراعه الهوياتي أحد أوجه ضياعه، فهو لا يعلم منتهى جذوره ولا مبدأ أصوله وعاجز عن تحديد عرقه بالضبط، مما جعله يقتنع أخيرًا أنه نتاج هجرات جماعية قديمة ويتسع ليحمل هويات متعددة، وعلى الرغم من من أنه موغل ومنغمس في أمريكيته إلا أن جزءه اليهودي يطفو على السطح جليًا.
أتى على ذكر إدوارد سعيد أكثر من مرة في معرض كتاباته الشخصية، إذ كان مشرفًا على رسالته في الماجستير وتأثر به، وبقيا على تواصل ودود لحين رحيل إدوارد هو الآخر .. يصنفه النقاد بأنه كاتب ما بعد حداثي وبغض النظر عن تصنيف أعماله وتحليلها إلا أني لا أملك كقارئ عادي يحاول الهروب من فخ التأويل إلاّ التعبير عن إعجابي بما يخطه قلمه، وانبهاري بإحكام تعبيراته، وأساليبه المبتكرة، وبراعة لغته السردية، وقوله للكثير بخفة ودقة بالغة.
يثير استغرابي أنه يكتب عن نفسه بشفافية عالية، شفافية تشعرك أحيانًا أنه يعامل الكتابة معاملة طقس الاعتراف والتطهر في الديانة المسيحية، مما أثار حنق عائلته ونقمتهم عليه باستمرار، إذ اعتبروا سلوكه هذا سلوكًا مسيئًا للسمعة، فاضحًا، وموغلاً في الأنانية، وأتساءل عن مدى أخلاقية أن يجعل الكاتب أسرار عائلته مادةً للكتابة، معرضًا إياهم للخزي على الملأ .
على أية حال .. لم تكن الكتابة عنده طقسًا يقبل المساومة بل كانت ضرورة هامة، فلم يكن يهتم بالمكان الذي سيعيش فيه مادام يهيئ له الظروف المناسبة لها، ولا بالانتقادات مادامت خالية من المعنى، ولا حتى بمحاولات والده لثنيه عنها وإيجاد عمل محترم يتكسب منه؛ ونحن ممتنون إذ لم يلتفت للعوائق ولم يلق بالاً لكل هذا وترك لنا إرثًا من العذوبة مساهمًا في جعل العالم مكانًا أفضل كما تمنى.
كان بول أوستر مؤمنًا إيمانًا تامًا أننا نعيش في عيون الآخرين، ولئن رحل الآن فليس عندي أدنى شك أنه سيبقى حيًا في عيون قرّائه، ولست أبالغ إن قلت أن وفاة الكُتاب الذين قرأت لهم وأحببتهم تحدث فيّ نفس أثر مفارقة صديق عزيز، حتى أنني لأتخيل إحدى قريباته من جهة والده تتصل على زوجته لتتشفى برحيله كما فعلت معه سابقاً في حادثة وفاة مشابهة.
في حكاية شتاء- سيرته التي رواها عن نفسه بصيغ وضمائر المخاطب قبل رحيله بسنوات قلائل- تمنى أن يموت محبوبًا ..
” دوّن جوبرييت:” يجب أن يموت المرء وهو محبوب (إذا استطاع) تؤثر فيك هذه الكلمة، تحركك، لا سيما الجملة الواقعة بين هلالين، تشعر أنها تكشف عن روح تتسم بوعي نادر وإدراك توصل إليه دون لا يستطيع أي إنسان بلوغه، يفيد بأنه ليس من السهولة أن تكون محبوبُا وخصوصًا بالنسبة إلى شخص كبير يرزح تحت وطأة العجز والوهن بسبب الشيخوخة ويستلزم عناية الآخرين واهتمامهم، ربما أعظم إنجاز يقوم به الانسان هو أن يستحق الحب لا أن يستعطيه في النهاية. ليس بمقدورك التنبؤ بما سيحدث عندما يحين اليوم الذي تزحف فيه إلى الفراش لآخر مرة، لكن اذا لم تؤخذ على حين غرة كما حدث لوالديك فأنت ترغب في أن تستحق الحب، هذا إن استطعت”
بعد ثلاثة أيام من رحيله نعته زوجته بملء الأسى، قائلةً أنه لم يغادر أرض السرطان .. وأكدت أنه توفي في منزله، وبين كتبه، وبجانب عائلته ..
ها أمنتيه تتحقق؛ أن يموت مستحقًا للحب، بالقرب ممن أحب.
حين أكتب قائمة الامتنان آخر اليوم، سأحرص على تسجيل “اكتشاف مدونة رويدة” في رأسها. 🤩
استمتعت أيّما استمتاع بالتدوينة، ولامستني في أجزاء كثيرة، خاصةً::
أشكرك من أعماق قلبي أختي 😇
إعجابLiked by 1 person